الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
94
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الحجة . بناء على هذا ، يبدو أن المراد من " النذير " هنا النبي الكبير الذي يوضح ويبين دعوته مقرونة بالمعجزات وفي محيط واسع ، ومعلوم أن مثل هذا النذير لم يقم في الجزيرة العربية وبين قبائل مكة . وفي الإجابة عن السؤال الثاني ينبغي أن يقال : إن معنى جملة : وإن من أمة إلا خلا فيها نذير هو أن كل أمة كان لها نذير ، إلا أنه لا يلزم حضوره بنفسه في كل مكان ، بل يكفي أن يصل صوت دعوة أنبياء الله العظام بواسطة أوصيائهم إلى أسماع كل البشر في العالم . وهذا يشبه قولنا : إن كل أمة كان لها نبي من اولي العزم ، ولها كتاب سماوي ، فمعنى هذا الكلام أن صوت هذا النبي وكتابه السماوي قد وصل عن طريق وكلائه وأوصيائه لكل تلك الأمة على طول التاريخ . بعد بيان عظمة القرآن ورسالة النبي ( صلى الله عليه وآله ) تطرقت الآية التالية إلى أساس آخر من أهم أسس ودعائم العقائد الإسلامية ، فتقول : الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ( 1 ) . وقلنا مرارا : إن المراد من ستة أيام في هذه الآيات : ست مراحل ، لأن أحد معاني اليوم في المحادثات اليومية : المرحلة ، كما نقول : كان النظام المستبد يحكمنا بالأمس ، واليوم يحكمنا نظام الشورى ، في حين أن الحكومات المستبدة كانت تحكم آلاف السنين ، إلا أنهم يعبرون عن تلك المرحلة باليوم . ومن جهة أخرى ، فقد مرت فترات ومراحل مختلفة على السماء والأرض : - فيوما كانت كل كواكب المنظومة الشمسية كتلة واحدة مذابة .
--> 1 - لفظ الجلالة في هذه الجملة مبتدأ ، و ( الذي ) خبره . واحتملت في تركيب هذه الجملة احتمالات أخرى ، من جملتها ، أن لفظ الجلالة خبر لمبتدأ محذوف ، أو أن لفظ الجلالة مبتدأ وخبره ( ما لكم من دونه من ولي ) إلا أن هذين الاحتمالين لا يبدوان مناسبين بتلك الدرجة .